السبت، 13 مايو، 2017

هل احتفى الأدب العربي بالمثلية الجنسية ؟





غالباً ما ينظر إلى المثلية الجنسية في عصرنا الراهن على أنها ظاهرة طارئة وردت حديثاً من الغرب إلى مجتمعاتنا المحافظة مع تطور التكنولوجيا و وسائل الاتصال الحديثة التي حملت إلينا كل ما في العالم من منافع و موبقات في آن معاً، إلأ أن المرء قد يفاجئ حين يجد أن للمثلية الجنسية جذورها التي تمتد لقرون خلت في الثقافة العربية  و التي يمكن لنا أن نقتفي أثرها بشكل خاص في كتب الشعر و الأدب و أخبار الملوك و الخلفاء، و فيما يلي نورد لكم بعض الأمثلة من الأدب العربي في العصرين العباسي و المملوكي، و التي ما هي إلا غيض من فيض الكتابات التي تناولت هذا الموضوع الذي يراه كثيرون محرماً اليوم : 

الأمين و كوثر : 

كان الخليفة الأمين ابن هارون الرشيد واحداً من الخلفاء الذين عرفواً بمثليتهم الجنسية، فقد امتنع ن معاشرة النساء سواء الاحرار أو الجواري، وابتاع لنفسه عدداً كبيراً من الغلمان وجعلهم لخلوته في ليله ونهاره، أما زبيدة والدة الامين فقد حاولت تحبيب ابنها بالنساء فألبست الجواري الحسان لباس الغلمان وأمرت كل جارية أن تقص شعرها على شاكلة الذكور، إلا أن هذا لم يجدي نفعاً مع الأمين الذي ظل على تعلقه بالغلمان. 

و من بين غلمان الأمين غلام وسيم كان إسمه كوثر، استطاع أسر قلب الخليفة، إذ هام حباً به، حتى أنه نظم به الشعر فقال:

ما يريد الناس من صب بما يهوى كئيب
 كـوثـر ديني ودنـيـاي وسقـمي وطبـيبـي
أعجز الناس الذي يلحي محباً في حبيبِ

ويقال أنه حين حاصر المأمون بغداد لخلع أخيه الأمين، أصيب كوثر في وجهه فركض الأمين إليه وهو يقول : "ضربوا قرّة عيني ومن أجلي ضربوه، أخذ الله لقلبي من أناس حرقوه". 


أبو نواس و الخمر و الغلمان : 

من منا لا يعرف أبا نُوَاس شاعر الخمر الأول في تاريخ الأدب العربي، فهو القائل : 

دع المساجد للعباد تسكنهـا
 وطف بنا حول خمار ليسقينـا 
ما قال ربك ويل للذين سكروا
 وإنما قال ويل للمصلينــــــــا

و أبو نواس كان واحداً من أوائل الشعراء العرب الذين جاهروا بمثليتهم، و له في هذا الصدد قصص و حكايا أكثر من أن تعد في هذه العجالة، من بينها قصته مع شاب يدعى جمال الكوفي، أعجب به أبو نواس فكتب فيه شعراً،  فلما قرأه جمال غضب وقال: ويلي عليه ابنُ الزانية شاربُ الخمر! ، ثمَّ أرسل لأبي نُوَاس: والله ما هجوتك ولكني أقتلك بخنجري هذا ! ، ولما علم أبو نواس برد جمال الكوفي ضحك و كتب إليه:

يا مُوعِدي القتلَ ظلماً، لقد
خالفَتْكَ في الخنجر كفَّيكا
ما خنجرٌ يقتــــــلني سيـــــــدي
أُقتلُ من تفتيــــــــــر عينــيكــــا
يا من دعا قلبي إلى حبــه
فقلتُ: لبَّيكَ و سعديكا
هبْ لي –ولا تبخل- ياسيدي
فترةً ما بين فخذيكا !


الجاحظ و "مُفاخرة الجواري والغلمان" :

و للأديب العربي الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ كتاب معروف إسمه "مُفاخرة الجواري والغلمان" تطرق فيه بكثير من الإسهاب إلى انتشار المثلية الجنسية في المجتمع العباسي و أورد فيه أمثلة كثيرة من الشعر الذي قيل في معاشرة الغلمان و معظمه شعر فاضح بمقايس أيامنا هذه لذلك نمنتع عن نشر أي شيء منه، و نكتفي بما قاله الجاحظ في كتابه شارحاً بعض أسباب تفضيل معاشرة الغلمان على معاشرة الجواري : "أيسر ما فيه من مفاضلةٍ أمْنُكَ من طمثه ومن حبلهِ، وهذا قليلٌ من كثير ما قالوا، فقد قالت الشعراء في الغلام في الجدّ والهزل فأحسنوا، كما قالت الشعراء في الغزل والنَّسيب".


الواثق و مهج : 

أما الخليفة الواثق ابن المعتصم تاسع الخلفاء العباسيين، فقد عرف هو الآخر بحبه للغلمان، و بخاصة لغلام يدعى مهج، خطف لب الخليفة الذي قال فيه : 

مهج يملك المهج
بسجى اللحظ والدعج
 حسن القد مخطف
ذو دلال وذو غنج 
ليس للعين إن بدا
عنه باللحظ منعرج

و ذات صباح بينما كان الواثق جالساً بين حاشيته، جاءه مهج متـثـنياً، منكسر النظرة، مترنح الخطوات، مترجرج الأعطاف، يناوله ورداً ونرجساً، فأنشده الخليفة قائلاً : 

حياك بالنرجس والورد
معتدل القامة والقد
فألهبت عيناه نار الهوى
وزاد في اللوعة والوجد
أملت بالملك له قربه
فصار ملكي سبب البعد 
ورنحته سكرات الهوى
فمال بالوصل إلى الصد
إن سئل البذل ثنى عطفه
وأسبل الدمع على الخد
 غر بما تجنيه ألحاظه 
لا يعرف الإنجاز للوعد 
مولى تشكى الظلم من عبده
فأنصفوا المولى من العبد


ابن الوردي و نقد المثلية : 

عاش ابن الوردي في معرة النعمان في القرن الرابع عشر زمن المماليك، و كان فقيهاً و عالماً و أديباً، و كما يبدو من كتاباته فقد كانت المثلية الجنسية منشرة بكثرة في زمنه، فكتب منتقداً هذه الظاهرة : 

مَن قال بالمرد فاحذر أن تصاحبه
 فإنْ فعلت فثق بالعار والنار
بضاعة ما اشتراها غير بائعها
 بئس البضاعة والمبتاع والشاري
يا قوم صار اللواط اليوم مشتهراً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق